الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

121

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

أصل عداوة الشيطان الناشئة عن الحسد من تفضيله عليه - إما لأن هذا الكلام قاله بعد أن أغوى آدم وأخرج من الجنة فقد شفى غليله منه وبقيت العداوة مسترسلة في ذرية آدم ، قال تعالى : إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ [ فاطر : 6 ] . والاحتناك : وضع الراكب اللجام في حنك الفرس ليركبه ويسيّره ، فهو هنا تمثيل لجلب ذرية آدم إلى مراده من الإفساد والإغواء بتسيير الفرس على حب ما يريد راكبه . [ 63 ، 64 ] [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 63 إلى 64 ] قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً ( 63 ) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُوراً ( 64 ) جواب من اللّه تعالى عن سؤال إبليس التأخير إلى يوم القيامة ، ولذلك فصلت جملة قالَ على طريقة المحاورات التي ذكرناها عند قوله تعالى : قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها [ البقرة : 30 ] . والذهاب ليس مرادا به الانصراف بل هو مستعمل في الاستمرار على العمل ، أي امض لشأنك الذي نويته . وصيغة الأمر مستعملة في التسوية وهو كقول النبهاني من شعراء الحماسة : فإن كنت سيدنا سدتنا * وإن كنت للخال فاذهب فخل وقوله : فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ تفريع على التسوية والزجر كقوله تعالى : قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ [ طه : 97 ] . والجزاء : مصدر جزاء على عمل ، أي أعطاه عن عمله عوضا . وهو هنا بمعنى اسم المفعول كالخلق بمعنى المخلوق . والموفور : اسم مفعول من وفره إذا كثّره . وأعيد جَزاءً للتأكيد ، اهتماما وفصاحة ، كقوله : إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا [ يوسف : 2 ] ، ولأنه أحسن في جريان وصف الموفور على موصوف متصل به دون فصل . وأصل الكلام : فإن جهنم جزاؤكم موفورا . فانتصاب جَزاءً على الحال الموطئة ، و مَوْفُوراً صفة له ، وهو الحال في المعنى ، أي جزاء غير منقوص . والاستفزاز : طلب الفزّ ، وهو الخفة والانزعاج وترك التثاقل . والسين والتاء فيه